مسرحية الأنا المزيفة: كيف تشتري “التقدير” على لينكدإن عن طريق تلميع رخيص متنكر ببدلة صحفية
من مفارقات المشهد المهني اليوم أن أكثر ما يُروَّج له تحت عناوين “التميّز” و”القيادة” و”صناعة الأثر”، هو في جوهره أفقر ما يُنتَج من محتوى.
افتح “لينكدإن” في أي صباح، وستجدها ماثلة أمامك: مقالات مبهرجة العنوان، فقيرة المضمون، تحمل أسماء منصّات ضخمة تتزيّن بمفردات مثل “CXO” و”Leaders” و”Global” و”Executive” و”Network” و”Iconic”. تتحدث عن “قادة ملهمين” و”روّاد استثنائيين” و”شخصيات أيقونية”، بلغةٍ تُوحي بأنها صحافة، وهي ليست صحافة. وتدّعي أنها تكريم، وهي ليست تكريماً.
إنها — ببساطة — تجارة. تجارة الغرور.
يُعد هذا التوجه الإداري هراءً محضاً ومسرحيات رخيصة لا مكان لها في عالم الأعمال الحقيقي المعتمِد على الاستحقاق والجدارة. إن مجرد امتلاك موقع إلكتروني وتصميم جذاب لا يعادل بأي حال من الأحوال صناعة محتوى صحفي حقيقي يستند إلى قيم رصينة وبحث عميق لتقييم المواهب الصاعدة الفعلية في السوق. يهدف هذا التقرير الشامل والمكثف إلى تشريح هذا الواقع الإداري المشوه، وفضح آليات عمل هذه المنصات، وتحليل تداعياتها الكارثية على حوكمة الشركات، ونزاهة العلامة التجارية المؤسسية، واستراتيجيات تقييم القيادات العليا، إلى جانب أثرها على استقطاب المواهب ومفهوم القيادة المؤسسية، مع التركيز على السياقين الإقليمي والمحلي في المملكة العربية السعودية.
هذه الكيانات، التي غالباً ما تعرف نفسها بأنها “خدمات إعلانية” أو “منصات للعلامة التجارية التنفيذية” وتعمل من خارج المنطقة، تبيع الوهم للمدراء الباحثين عن طريق مختصر للشهرة . هي تقدم خدمة واضحة: ادفع لنا، وسنكتب عنك قصة بطولية. هم يمتلكون نطاقاً على الإنترنت وشعاراً، لكنهم يفتقرون لأبسط مقومات العمل الإعلامي الجاد: المصداقية والنزاهة والبحث العميق.
الصحافة لها قواعد. الصحافة تتحقق. الصحافة تسمي مصادرها متى أمكن. الصحافة تفرّق بين الخبر والإعلان. الصحافة تصحّح أخطاءها بشفافية. الصحافة لا تترك القارئ يتخبط: هل هذه مادة مستقلة أم إعلان متنكر؟ هذا ليس رأيي الشخصي فقط؛ هذه مبادئ مهنية معروفة ومعلنة في معايير مؤسسات مثل Reuters، وفي معايير الشفافية الإعلامية، وحتى في إرشادات التمييز بين التحرير والإعلان.
لتبسيط حجم هذه الفجوة المهنية، يوضح الجدول التالي الفروق الجوهرية والتشغيلية بين الصحافة المهنية الرصينة التي تحتفي بالكفاءات الحقيقية، وبين الإعلام التلميعي الرخيص الذي تتبناه هذه الكيانات الوهمية:
|
وجه المقارنة التنظيمية |
الصحافة المهنية الاستقصائية والتكريم الحقيقي |
الإعلام التلميعي المبتذل |
|
آلية اختيار الكفاءات |
مبنية على أبحاث استقصائية مطولة، وتحليل للبيانات المالية، وقياس الأثر الفعلي والتحول المؤسسي الذي أحدثه القائد في منظمته. | مبنية بشكل حصري على القدرة على الدفع، أو الموافقة على شراء باقات الظهور والإعلان بغض النظر عن الكفاءة. |
|
القيم والمعايير الصحفية |
استقلالية تامة، موضوعية، وتدقيق صارم للمعلومات الوظيفية، وإجراء مقابلات فعلية مع زملاء العمل ومجالس الإدارة. |
انعدام تام للتدقيق، قبول أي نص يُقدم من العميل أو يُسحب آلياً، وغياب كامل للموضوعية والشفافية. |
|
النموذج المالي والتكلفة |
لا يتم تقاضي أي مبالغ مالية من الشخصية التي يتم تسليط الضوء عليها، بل يتم تمويل العمل الصحفي عبر الاشتراكات المستقلة. |
رسوم واضحة ومباشرة تُدفع لضمان النشر (تتراوح بين 50 إلى آلاف الدولارات حسب المنصة و”الباقة”). |
|
الأثر الاستراتيجي والمهني |
يعكس جدارة مهنية حقيقية، ويبني ثقة مؤسسية طويلة الأمد، ويضيف قيمة فعلية للعلامة التجارية التنفيذية للقائد. |
يعكس هشاشة نفسية ومهنية، ويدل على سعي مهووس وراء التقدير الشكلي، ويؤدي إلى تآكل الثقة في أوساط الموارد البشرية. |
فضيحة العمل “السري” (Confidential): الدليل القاطع على الكسل والغياب التام للقيم الصحفية
في عالم الأعمال، وخاصة عند انتقال القياديين والمديرين إلى مناصب حساسة جديدة، قد يُفضل التنفيذي – لأسباب استراتيجية أو تنافسية أو لعدم اكتمال إجراءات الاستقالة – عدم الإفصاح عن اسم شركته الجديدة فوراً، فيكتب كلمة “سري” (Confidential) في خانة جهة العمل على ملفه الشخصي في منصة “لينكد إن”، وهنا تحديداً تظهر المهزلة المهنية في أبشع صورها؛ حيث تقوم خوارزميات المنصات التلميعية، أو موظفوها عديمو الخبرة والتدقيق، بنسخ هذه البيانات ولصقها كما هي، لينتهي الأمر بمقال “تسليط ضوء” أو “إعلان انضمام” يحمل قدراً هائلاً من السطحية والغباء الإداري، ومن أكثر ما يكشف ضعف هذه الممارسة أن بعض هذه المواد تنشر المسمى الحالي كما هو حتى لو كان “Confidential Government Entity” أو “Confidential Organization” أو “Confidential PIF Subsidiary”، وهذه وحدها كافية لنسأل: أين البحث؟ أين التحقق؟ أين الحد الأدنى من احترام القارئ؟ إذا كانت الجهة الحالية “سرية” إلى هذا الحد، فكيف تحوّلت فجأة إلى مادة منشورة للعموم؟ وإذا كانت المعلومة غير قابلة للتحقق، فلماذا تُستخدم أصلاً بوصفها عنصرًا داعمًا في نص احتفالي؟ الحقيقة المؤلمة أن بعض هذه الصفحات لا تبحث؛ بل تستهلك ما يُعطى لها، ثم تعيد تغليفه بلغة مديح رخيصة.
تصدر هذه المقالات بعناوين كارثية مثل: “تم تعيين فلان الفلاني في منصب الرئيس التنفيذي للموارد البشرية في شركة Confidential”، أو يتم الاحتفاء بمسؤول بارز بصفته “الرئيس التنفيذي لأمن المعلومات في الحكومة السرية Confidential Government”. إن رؤية مدير تنفيذي يفتخر بإعادة نشر مقال يُهنئه بانضمامه إلى منظمة اسمها “سري”، مع دفع رسوم مقابل هذا الهراء، يُمثل قمة الإفلاس المهني والغياب التام لأبسط قواعد المنطق الإداري.
هذا المستوى المفزع من الكسل يعكس حقيقة لا تقبل الجدل: لا يوجد أي بحث فعلي يُجرى في أروقة هذه المؤسسات. لا يوجد صحفيون، لا توجد مقابلات حقيقية، ولا توجد أي قيم صحفية تُذكر. العملية برمتها ليست سوى نظام رخيص لأتمتة البيانات، يلتقط المسمى الوظيفي، وجهة العمل المكتوبة، والصورة الشخصية عالية الدقة، ثم يصبها في قالب تصميم جاهز وموحد ليُباع فوراً بصفته “مقالاً حصرياً”. إن محاولة الترويج لمثل هذا العمل البائس على أنه اعتراف مهني هو إهانة لذكاء مجتمع الأعمال، وتجسيد صارخ لمسرحيات لا تنطلي إلا على من يعانون من فراغ في الإنجاز الحقيقي.
مصادر المعلومات والتحقق من الحقائق
المصداقية هي حجر الزاوية في أي محتوى قيم. هذه الأسئلة تكشف مدى جدية المنصة في التحقق من المعلومات:
ما هي المصادر التي ستعتمدون عليها لكتابة المقال؟ إذا كانت الإجابة تقتصر على “ملفك الشخصي على لينكدإن” أو “المعلومات التي تزودنا بها”، فهذه علامة حمراء ضخمة. البحث الحقيقي يتطلب مصادر متعددة ومستقلة.
هل ستقومون بالتواصل مع أطراف ثالثة للتحقق من إنجازاتي؟ اطلب منهم تحديد ما إذا كانوا سيجرون مقابلات مع زملاء سابقين، أو عملاء، أو خبراء في الصناعة لتقديم سياق موضوعي. رفضهم القيام بذلك يعني أنهم لا يهتمون بالتحقق، بل بالنشر السريع.
ما هي سياستكم لتصحيح الأخطاء؟ المؤسسات الإعلامية المحترمة لديها سياسة واضحة وعلنية لتصحيح أي معلومات غير دقيقة. اسأل عن هذه السياسة. إذا لم تكن موجودة، فهذا يعني أنهم لا يتحملون أي مسؤولية عن دقة ما ينشرونه.
التشخيص النفسي والمؤسسي: حين تتحول الكفاءة الفنية إلى عبء قيادي
من المنظور الإداري العميق، وتحديداً في علوم إدارة الموارد البشرية وعلم النفس التنظيمي، يمثل الانجراف نحو هذه المنصات مؤشراً سلوكياً بالغ الخطورة. لفهم الدوافع النفسية التي تجعل مسؤولاً تنفيذياً رفيع المستوى يقع ضحية لمثل هذا الهراء، يجب الرجوع إلى بعض المفارقات الإدارية التي طالما عانت منها المنظمات. من أبرز هذه المفارقات هي الاعتقاد الخاطئ بأن التفوق الفني البحت يكفي بحد ذاته ليصنع قائداً استراتيجياً.
يكشف هذا التهافت المستميت على الألقاب والمنصات الوهمية عن أزمة مفاهيمية عميقة حول ماهية القيادة لدى الكثير من التنفيذيين في عصرنا الحالي. عند الغوص في التحليل التاريخي والسلوكي للقادة الحقيقيين الذين تركوا بصمات لا تُمحى في قطاعاتهم، يتضح بجلاء أن القاسم المشترك بينهم لم يكن السعي وراء الألقاب المصطنعة أو الظهور الإعلامي المدفوع، بل كانت قدرتهم الفذة على إحداث التأثير العميق بمعزل عن السلطة الرسمية أو البريق الإعلامي.
القائد الأيقوني الحقيقي لا يحتاج إلى شراء مساحات إعلانية على مثل تلك المنصات ليثبت للعالم أنه قائد. إن الأفعال الجوهرية، والنجاح في إدارة الأزمات العاصفة، والقدرة على بناء فرق عمل متماسكة ومرنة، هي ما تتحدث عن القائد بصوت أعلى وأصدق من أي مقال مصطنع يُدفع ثمنه بالعملة الصعبة. إن امتلاك شعار واسم نطاق لا يصنع منصة صحفية، وما يصدر عن هذه المواقع لا يمت للبحث أو التقييم المهني بصلة.
في المقابل، تخلق هذه المنصات وهماً قيادياً خادعاً يُقنع المشتركين بأن الحصول على وسام رقمي، أو ملف يحتوي على عشر شرائح مصممة بألوان زاهية، كفيل بوضعهم في مصاف قادة الأعمال. هذه المسرحيات تفشل فشلاً ذريعاً في الاحتكاك بأرض الواقع في مجتمع الأعمال الحقيقي؛ حيث تُقاس كفاءة المدير التنفيذي بتقارير العوائد والأرباح، ومستويات الارتباط الوظيفي لمنسوبيه، وقدرته على قيادة التحولات الهيكلية، واستدامته في مواجهة التحديات التنظيمية، وليس أبداً بعدد مرات ظهوره في منشورات مدفوعة تفتقر لأبسط مقومات المصداقية. إن هذا التوجه لا يعدو كونه بديلاً رخيصاً عن الإنجاز، وسرعان ما يتلاشى عند أول اختبار حقيقي للكفاءة.
لقد أثبتت التجارب المتكررة في سوق العمل أن ترقية الأفراد استناداً إلى مهاراتهم التقنية فقط، دون تقييم نضجهم القيادي وذكائهم العاطفي، يخلق فجوة هائلة في الأداء. عندما يجد هؤلاء “القادة الفنيون” أنفسهم في مواقع لا يمتلكون أدواتها القيادية الفعلية، يشعرون بنقص مستمر وحاجة ملحة لإثبات الجدارة. هنا، وبدلاً من استثمار الوقت والجهد في سد هذه الفجوة عبر التطوير القيادي الحقيقي ومواجهة التحديات المؤسسية، يلجأون إلى الطريق الأسهل: شراء الواجهات القيادية المزيفة.
يتحول الأمر حينها إلى نرجسية مؤسسية؛ فالقائد الذي ينشغل بصناعة صورة ذهنية مزيفة عبر منصات تفتقر للحد الأدنى من التحري، هو في الواقع قائد يهرب من استحقاقات العمل الفعلي وإدارة الأزمات، ليلجأ إلى بناء واجهة من ورق. إن هذا السلوك يرسل إشارات غير مباشرة تعكس هشاشة نفسية، واهتزازاً في الثقة بالنفس، ومحاولة يائسة لتغطية القصور القيادي بقشور التلميع الإعلامي.
السياق الإقليمي والمحلي: تحديات التحول وصدام الأجيال في سوق العمل السعودي
لفهم مدى فداحة هذا التوجه الهزيل، يجب وضعه في السياق الإقليمي، وبشكل خاص داخل ديناميكيات سوق العمل في المملكة العربية السعودية. يمر السوق السعودي بمرحلة تحول مؤسسي غير مسبوقة تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030، التي تتطلب قيادات ذات كفاءة استثنائية قادرة على تنفيذ مشاريع عملاقة وتغيير هياكل اقتصادية بأكملها. في هذا المناخ الذي لا يعترف إلا بالنتائج والأرقام، يبرز التلميع الذاتي الرخيص كعائق مستفز وكتناقض صارخ مع متطلبات المرحلة.
يتميز سوق العمل السعودي بتنوع جيلي فريد، يتطلب فهماً عميقاً لكيفية تقييم القيادة. يمكن تتبع هذا التطور من خلال الأجيال المتعاقبة التي شكلت القوى العاملة، وكيف ينظر كل جيل إلى مفهوم الإنجاز والقيادة:
|
الجيل العمالي في السعودية |
الخصائص المهنية وتوجهات القيادة |
الموقف المتوقع من “الإعلام التلميعي” الرخيص |
|
جيل النفط وما قبل النفط (حتى 1980) |
الاعتماد على الجهد البدني والعمل الميداني المباشر والاحتكاك بالخبراء لتعلم المهارات العملية وتأسيس البنى التحتية. | رفض قاطع واعتبار هذه الممارسات نوعاً من الخداع المهني الذي لا يمت للعمل الجاد بصلة. |
|
جيل الازدهار الاقتصادي – الطفرة (1980-1990) |
الاستفادة من الطفرة المالية وبدايات التأسيس الإداري، مع التركيز على بناء الإدارات الحكومية والتأسيس للقطاع الخاص. |
تقييم القيادة بناءً على حجم المشاريع والميزانيات المدارة فعلياً، مع تجاهل تام للواجهات الإعلامية الكاذبة. |
|
جيل حرب الخليج – الصحوة (1990-2000) |
مواجهة تقلبات اقتصادية وسياسية، وتنامي الوعي الإداري وسط بيئة عمل تتطلب استقراراً وظيفياً ومرونة في التعامل مع المتغيرات. |
الحذر الشديد من القيادات الاستعراضية، وتفضيل القيادة القائمة على الكفاءة والاستقرار المؤسسي. |
|
جيل الألفية وجيل الابتعاث الخارجي (2000-2020 وما بعدها) |
الانفتاح الكبير على المعرفة العالمية، الحصول على شهادات عليا من جامعات دولية، الدخول المكثف في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي. |
جيل يمتلك أدوات كشف الزيف الرقمي؛ يستهجن بشدة محاولات التنفيذيين شراء الوهم ويعتبره دليلاً على انعدام الابتكار وضعف المهارات الحقيقية. |
إن الجيل الحديث من المهنيين (جيل الابتعاث والألفية) الذي يمتلك وعياً تقنياً عالياً وقدرة على التفكير النقدي، يراقب هذه الممارسات باشمئزاز. عندما يرى الموظف الشاب أو رائد الأعمال مديره أو التنفيذي المسؤول عنه يشتري مقالاً ليحتفي به كقائد ملهم، فإنه يفقد احترامه فوراً. إن هذا الجيل يقدر الشفافية، والتأثير الحقيقي، والكفاءة الفنية والإدارية، ولن ينخدع بمسرحيات مدفوعة الأجر تنشر على منصات لا تملك الحد الأدنى من النزاهة الصحفية لتمييز كلمة “سري” كحالة وظيفية بدلاً من اسم جهة عمل.
إن المشاريع الوطنية الكبرى والتحولات الاستراتيجية الحالية لا تُبنى عبر واجهات رقمية خاوية، بل عبر قيادات ميدانية وفكرية تتحمل مسؤولية قراراتها وتترك أثراً حقيقياً يمكن قياسه على أرض الواقع. استخدام المسميات الجغرافية مثل “MENA” أو “Arab Executive” ما هو إلا تكتيك تسويقي فج ومبتذل لاستغلال النزعة الإقليمية والوطنية لدى التنفيذيين، وإيهامهم بأنهم يمثلون نخبة المنطقة، بينما في الحقيقة لم تقم هذه الكيانات بأي مجهود يتجاوز تأسيس حساب على لينكد إن وتفعيل بوابة دفع إلكتروني.
التوصيات وكلمة أخيرة في وجه الزيف الإداري
إن هذا التفشي المرضي لمقالات ومبادرات تسليط الضوء المدفوعة يضعنا أمام لحظة مكاشفة حقيقية حول قيمنا المهنية في بيئة الأعمال المعاصرة. هذه الممارسات ليست مجرد اجتهادات تسويقية بريئة، بل هي مسرحيات رخيصة، وهراء لا يعتد به، وانحطاط مهني لا يعكس سوى كسل فكري وضحالة في تقييم الذات.
لمواجهة هذا الوباء الإداري، يتحتم اتخاذ خطوات حازمة على عدة مستويات:
- على مستوى القيادات والأفراد: يجب التوقف فوراً عن الانخراط في هذه الممارسات المبتذلة. القيادة لا تُباع في قوالب جاهزة ولا تُشترى بحفنة من الدولارات. القيادة الحقيقية تُصنع في الأروقة المعقدة للمنظمات، وفي القدرة على اتخاذ القرارات الصعبة، والوقوف بشجاعة في وجه التحديات، وإحداث التغيير الملموس. لا تدع بحثك عن التقدير يجعلك أضحوكة في مجتمع الأعمال بسبب منشور كتبته أداة آلية لم تفرق بين اسم شركتك ورغبتك في السرية.
- على مستوى إدارات الموارد البشرية والاستقطاب: يتعين على محترفي الموارد البشرية ولجان التعيين وخبراء الاستقطاب عدم الالتفات مطلقاً لهذه الإشادات البلاستيكية والنفايات الرقمية في السير الذاتية للتنفيذيين. بل يجب وضعها في إطارها الحقيقي كنقطة سلبية، وناقوس خطر يعكس ميولاً استعراضية يفتقر للمنطق والعمق الاستراتيجي، ودليلاً على محاولة التستر على الفشل أو النقص الإداري.
- على مستوى حوكمة الشركات ومجالس الإدارات: لا يكفي فقط إصدار سياسات صارمة تحظر استخدام أموال وموارد الشركة في تمويل ظهور التنفيذيين على منصات الإعلام التلميعي، بل يجب إدراج “النزاهة الإعلامية والظهور العام” ضمن مؤشرات تقييم الأداء للقيادات العليا. تقع على عاتق مجالس الإدارة مسؤولية حماية السمعة المؤسسية من نزوات الغرور الشخصي، وضمان عدم استغلال اسم المنظمة في مسرحيات العلاقات العامة المدفوعة. يجب أن تُوجه ميزانيات التسويق والعلاقات العامة نحو مبادرات حقيقية تدعم الأعمال وتخلق أثراً استراتيجياً واقتصادياً ملموساً.
في الختام، لقد حان الوقت لتنقية منصات العمل المهني وتطهير واجهاتنا الرقمية من هذا الهراء الإداري المستشري. يجب العودة إلى الجذور الحقيقية لتقييم الكفاءات: الأثر الملموس، النزاهة المهنية المطلقة، والقدرة على القيادة الحقيقية في ظل المتغيرات المعقدة. القائد الحقيقي يبني إرثه بالعمل الصامت والإنجاز الناطق، بعيداً عن أضواء الإعلام التلميعي الزائفة والشهادات المصنوعة من الوهم، لأن الحقيقة، في نهاية المطاف، لا يمكن حجبها بملف مصمم بعناية ولا بشعار اشتراه المال.
سيبقى السؤال معلّقاً في وجه كلّ من فكّر يوماً أن يشتري “تكريماً”: حين يعرف الجميع أن اللقب اشتُري، ماذا يبقى منه؟
ومَن الذي سيصفّق حين ينكشف أن التصفيق نفسه كان مدفوع الأجر؟
وأنت — حين يصلك العرض التالي بأن تكون “القائد العالميّ الأيقونيّ“ في العدد القادم — ماذا ستكون إجابتك؟


